الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
27
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
وهكذا تتضح صورة المصطلحات الصوفية في هذا العصر من حيث كيفيتها ونوعيتها وأسلوب طرحها ومرحلة تطورها نسبة للعصر الذي قبلها . وقبل أن ننتقل إلى العصر الهجري الثالث نود أن ننوه إلى إننا نرى أن أقوال وحكم ومواعظ صوفية أي عصر من العصور تعتبر ( مصطلحات ) انطلاقاً من نظرتنا الشاملة لجملة القول الدال على المعنى الصوفي ، ونرى أنه يمكن للباحثين المتخصصين في مجال اصطلاحات العلوم أو المعارف أن يعتبروا هذا الشكل نوعاً من أنواع الاصطلاح . المصطلحات الصوفية في القرن الهجري الثالث لما تقادم العهد ونتيجة لكثير من الظروف والمتغيرات في العالم الإسلامي كازدياد إقبال الناس على الدنيا وزينتها وضعف التأثير الروحي شيئاً فشيئاً ودخول عناصر شتى من أجناس مختلفة في الإسلام وظهور حاجة المسلمين داخل الجزيرة العربية وخارجها لمعرفة حقوقهم وواجباتهم ، اتسعت دائرة العلوم الإسلامية وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص ، حينها نهض العلماء بمهمة تدوين العلوم وتمييزها ووضع الأصول والقواعد الخاصة بكل علم منها واستنباط الأحكام والمصطلحات التي تناسب كل فن أو علم ، فظهر مثلًا في هذا القرن علم الحديث ، فقام المتخصصون به بجمع الأحاديث النبوية من الثقات ودونوها ، واصطلحوا لهذا العلم مصطلحات كثيرة معظمها لم يكن معروفاً في عصر التنزيل ، وكذلك علم الفقه الذي قد نسقت أبوابه في الأحكام والعبادات والمعاملات ، وبنيت أحكامه على مصطلحات مستحدثة ، وعلى هذا بقية العلوم الشرعية كعلم التوحيد والأصول والتفسير والمنطق وغيرها . . . ولما ظهر التأليف في مختلف العلوم سرى إلى ناحية التصوف فبدأ القوم يكتبون الكتب المبينة لمناهجهم وآراءهم والتي تكشف عن حقائق رموزهم واصطلاحاتهم لمريديهم وأتباعهم استكمالًا لحاجات الدين مما لابد منه لحصول البر والتقوى ، فكما أن هناك فقهاً للفروع فإن التصوف هو فقه للأصول ، وكما أن هذا الفقه فقه للجوارح فإن التصوف فقه للقلوب ، ولا يمكن أن تكتمل الأصول إلا بالفروع ، كما لا يمكن أن تكتمل الفروع إلا